محمد حسين الذهبي

76

التفسير والمفسرون

هذا وقد بين لنا ابن عباس رضى اللّه عنه ، مبلغ الحاجة إلى هذه الناحية في التفسير ، وحض عليها من أراد أن يتعرف غريب القرآن ، فقد روى أبو بكر بن الأنباري عنه أنه قال : « الشعر ديوان العرب ، فإذا خفى علينا الحرف من القرآن الذي أنزله اللّه بلغة العرب ، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه « 1 » » . وروى ابن الأنبازى عنه أيضا أنه قال : « إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر ، فإن الشعر ديوان العرب « 2 » » . فابن عباس رضى اللّه عنه كان يرى رأى عمر في ضرورة الرجوع إلى الشعر الجاهلي ، للاستعانة به على فهم غريب القرآن ، بل وكان أكثر الصحابة إلماما بهذه الناحية وتطبيقا لها . وقد استمرت هذه الطريقة إلى عهد التابعين ومن يليهم ، إلى أن حدثت خصومة بين متورعى الفقهاء وأهل اللغة ، فأنكروا عليهم هذه الطريقة ، وقالوا : إن فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن « 3 » ، وقالوا : كيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن ، وهو مذموم في القرآن والحديث . والحق أن هذه الخصومة التي جدت في الأجيال المتأخرة لم تقم على أساس ، فالأمر ليس كما يزعمه أصحاب هذا الرأي ، من جعل الشعر أصلا للقرآن ، بل هو في الواقع ، بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر ؛ لأن اللّه تعالى يقول « إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا « 4 » » . وقال « بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » « 5 »

--> ( 1 ) الإتقان ج 1 ص 119 . ( 2 ) الاتقان ج 1 ص 119 . ( 3 ) ومن هؤلاء الامام النيسابوري صاحب التفسير المشهور ، فقد صرح بذلك في مقدمة تفسيره ج 1 ص 6 . ( 4 ) في الآية ( 3 ) من سورة الزخرف . ( 5 ) في الآية ( 195 ) من سورة الشعراء .